السيد محمد حسين الطهراني
37
معرفة المعاد
الأشياء فانية وهالكة ، وهي فانية وهالكة فعلًا . ذلك أنّ كلمة « هالك » من المشتقّات ، والمشتقّات هي حقيقة في خصوص من تلبّس بالمبدأ ، أمّا في سوى ذلك - وخاصّة في المضارع والمستقبل فاستعمالها مجاز ، ولا يمكن حمل العبارة على ذلك دون الإتيان بقرينة . إذَن طُبع خَتم البوار والهلاك والبُطلان على الموجودات جميعها ، وفق مفاد هذه الآية الكريمة ، فالموجودات هي في عين وجودها فانية وباطلة ومعدومة . وفي ضوء هذا المفاد وردت الآية الكريمة : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ . فإنّ « فانٍ » يعني أنها فانية فعلًا ، لا أنها سترتدي خلعة الفناء مستقبلًا فيبقى آنذاك وجه الله تعالى . ونقرأ من جهة أُخرى قوله : فَأيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ . فوجه الله - إذَن - في كلّ مكان ، وقد أحاط وجهه الموجودات كلّها . وما أفادته تلك الآية في أنّ وجه الله باقٍ على الدوام ، يستنتج منه أنّ الموجودات باقية على الدوام . بينما يقول سبحانه في صدر الآية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ . فكيف يمكن القول إنّ الموجودات بأسرها هالكة وفانية غير وجه الله ، في حين أنها ثابتة باقية ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتمّ بنفس النظرة التي ذكرناها ، وهي أنّ الموجودات والأشياء التي يمكن أن تتّخذ طابع الشيئيّة لها وجهان : وجه خلقي ، ووجه أمريّ ، اي : لها صورة ووجه استقلاليّ خلقيّ ، وصورة ووجه إلهيّ . فمن حيث الوجه الخلقيّ نرى أنّ الموجودات برمّتها فانية وهالكة وباطلة ، أمّا من حيث وجه الله فإنّ الموجودات كلّها باقية لا يطرأ